أخبار سوريا

“بوتين” يعيّن ممثلاً خاصاً عنه في دمشق.. ما صلاحياته وكيف تُقرأ هذه الخطوة؟

في خطوة وُصفت بأنها فرض انتداب جديد وتثبيت للاحتلال، أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قراراً في الـ25 من أيار/ مايو الحالي يقضي بتعيين مبعوث خاص به في سوريا، تحت مسمى “تطوير العلاقات” مع نظام الأسد.

ونشرت السفارة الروسية في دمشق وثيقة أعلنت فيها “تعيين السفير فوق العادة لروسيا الاتحادية لدى الجمهورية العربية السورية “يفيموف ألكسندر فلاديميروفيتش”، ممثلاً خاصاً للرئيس الروسي لتطوير العلاقات مع سوريا”.

الخطوة الروسية هذه جاءت بالتزامن مع تصاعد الخلافات والنزاعات داخل أركان النظام السوري، ونشرها للعلن عبر مجموعة من الفيديوهات التي بثها “رامي مخلوف” ابن خال “بشار الأسد”، وما تبعها من بيانات أصدرها الأخير وقرارات بالحجز على أموال الأول وعائلته.

فقد أكدت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية في تقرير ترجمته “نداء سوريا” أن “بشار اﻷسد” يعاني حالياً من أزمة متعمقة وصلت إلى أصعب مراحلها منذ عام 2011، وقد يكون عرضة للخطر الآن أكثر من أيّ وقت في السنوات التسع الماضية من الحرب، وأنه يواجه هذه الأيام أكبر التحديات بسبب تزايد الانشقاق داخل عائلته وانهيار اقتصاده.

كما أنها تأتي عقب أيام من انشغال الصحافة الروسية بانتقاد “الأسد” وتسليط الضوء على الفساد المستشري داخل أركان نظامه، والحديث عن وجود حالة من الامتعاض داخل “الكرملين” إزاء النظام السوري بسبب عرقلته لأي خطوات باتجاه الحل، وعجزه عن وضع حد لاقتصاده المنهار.

وجاء في دراسة أصدرها معهد بحوث “جيمس تاون” والذي يتخذ من العاصمة واشنطن مقراً له، أن السياسة الروسية في سوريا باتت عُرضة للخطر أكثر من أيّ وقت مضى، وأن الخيار الأصعب لموسكو على الصعيد الخارجي بدأ يتشكل هناك، بسبب الكلفة المرتفعة لتدخُّلها وغياب أيّ رؤية للحل خاصةً مع تعقيد حالة موازين القوى.

وأشارت إلى أن موسكو لا تمتلك الكلفة المادية لإعادة إعمار سوريا بعد الحرب، ولا يمكنها الاعتماد على إيران لمواصلة دعم الميليشيات المختلفة على الأرض، مؤكدةً أن “هذا سيُبقِي نظام الأسد مفلساً وعُرضةً للانهيار المفاجئ إلا أن موسكو عالقة به وهي تزداد غضباً من عدم رؤية أيّ حل”، وبحسب ما ترجمت “نداء سوريا” عن المعهد فإن الروس سئموا من هذه المشاركة الباهظة الثمن.

“يفيموف” مبعوث رئاسي أم مندوب سامٍ؟

قرار “بوتين” هذا رآه المراقبون والمتابعون للملف السوري بأنه خطوة نحو مزيد من الهيمنة الروسية على النظام في سوريا، وإعطاء “يفيموف” صلاحيات أوسع وحرية أكبر في التحرك واتخاذ القرارات، حيث بات يتبع لـ”الكرملين” مباشرة وليس لوزارة الخارجية.

وأكد المحلل السياسي والخبير في الشأن الروسي الدكتور “رائد جبر” أن هذا القرار له أهمية خاصة وتحديداً في هذا التوقيت بسبب التطورات داخل النظام والتباينات التي ظهرت بين رموزه مؤخراً، واقتراب “المرحلة الحاسمة”، مرحلة الانتقال السياسي والتحضير للانتخابات.

وأضاف: أن “يفيموف” ستكون له صلاحيات واسعة حيث سيكون متحدثاً باسم “بوتين” بشكل مباشر؛ ما يعني أنه قادر على اتخاذ قرارات فورية على الأرض والتحرك بديناميكية دبلوماسية عالية جداً لا تتوفر عادة للسفير.

وأشار “جبر” في تصريح خاص لـ”نداء سوريا” أن المرة الوحيدة التي اتخذ “بوتين” فيها قراراً مماثلاً بتعيين سفير كمبعوث رئاسي خاص كانت في أوكرانيا في عام 2001، وهذا مؤشر على الأهمية الخاصة للوضع في سوريا وأولويته داخل السياسة الروسية.

وأردف: “يمكن تشبيهه بـ”بول بريمر” الذي عينه الرئيس الأمريكي السابق “جورج بوش” في العراق عام 2003، وهو لا يصل لدرجة أن يكون مندوباً سامياً، إنما عبارة عن سفير لديه صلاحيات واسعة ومهام محددة”.

ويقول المحلل السياسي والخبير في الشأن الروسي الدكتور “نصر اليوسف”: إن منصب “المبعوث الرئاسي” موجود في روسيا منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، ويتم تعيينه في القضايا الملحة التي تتطلب اهتماماً خاصاً من قِبَل الدولة سواء أكانت على المستوى المحلي أو الدولي.

وأشار “اليوسف” في حديث لـ”نداء سوريا” أن في روسيا من يشغل منصب الممثل الخاص للرئيس للشؤون الداخلية ولشؤون التطوير الرقمي، والممثل الخاص لشؤون شمال القوقاز، كما أنه تم تعيين ممثل للعلاقات مع جمهورية طاجيكستان أثناء فترة الحرب، إضافةً إلى الممثل الرئاسي لقضايا الشرق الأوسط ودول إفريقيا.

الأسباب التي دفعت “بوتين” لهذه الخطوة

رجح الباحث السياسي “محمد سالم” أن هذا القرار يرتبط بالتصريحات الأخيرة المهاجمة لـ”الأسد”، والهدف من هذه الخطوة منع انزلاق التوتر مع النظام إلى حافة الهاوية والتي ستترك هامشاً لإيران للمزيد من التغلغل وتحصيل النفوذ على حساب موسكو، بالإضافة إلى احتمالية وجود رغبة روسية بالإشراف على الاقتصاد السوري وتداعيات العقوبات عليه.

ويضيف “سالم” في حديث لـ”نداء سوريا“: “يفيموف” خبير اقتصادي وله إسهامات سابقة، وقرار “بوتين” يعكس وجود توجه لدى “الكرملين” للإشراف بشكل مباشر على اقتصاد النظام والتداعيات المحتملة للعقوبات التي ستزداد بعد تطبيق قانون “قيصر”، وسط الخلخلة الكبيرة الناتجة عن الخلافات الأخيرة داخل النواة الصلبة للنظام بعد ظهور الخلاف مع “مخلوف” للعلن.

وتابع: “قد ترى موسكو ذلك فرصة لزيادة نفوذها وقدرتها على التحكم بالنظام السوري من الباب الاقتصادي بعد تغلغلها داخل المؤسسة العسكرية؛ الأمر الذي يقوي أوراقها المستقبلية على مائدة الحل النهائي السوري أمام مختلف الفاعلين الآخرين”.

من جانبه رأى “جبر” أن هذه الخطوة تندرج في إطار التحضير لما هو قادم، وأن هناك نضجاً لأهمية الانتقال السياسي في سوريا وتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 بعناصره الثلاثة الرئيسية المتمثلة بـ: الانتقال السياسي والدستور والانتخابات، مستدركاً بالقول: إن هذا لا يعني أن هناك انقلاباً أو تحولاً مباشراً في الموقف الروسي من الأسد، وإنما دخول مرحلة جديدة في التعامل مع الاستحقاقات السياسية في سوريا.

في السياق ذاته، يعتقد “اليوسف” أن قرار “بوتين” قد يكون نابعاً من رغبة القيادة الروسية بالتواصل السريع مع “بشار الأسد” في حال تم التوصل لاتفاق حول مصيره، دون المرور عبر القرارات المتسلسلة، إضافةً لكونه قد يكون رداً على ما أشيع مؤخراً بأن موسكو تخلت عن “الأسد”.

ولفت إلى أن الإقدام على هذه الخطوة سببه أيضاً حساسية المرحلة القادمة، وتشير إلى وجود رغبة لدى روسيا بتغليب الجانب السياسي على العسكري، مضيفاً: بصرف النظر عن الهدف من قرار “بوتين” هذا إلا أن العديد من المؤشرات تخبرنا بأن موسكو باتت أقرب من أيّ وقت مضى لوضع “الأسد” على البازار بعد أن أخذت كل ما هو مفيد وكل ما يمكن أخذه من “النظام الذي تراه شرعياً”.

صلاحيات “يفيموف” الجديدة

أوضح “اليوسف” أن للمبعوث الرئاسي الخاص صلاحياتٍ أوسعَ من السفير، حيث إنه يتحدث باسم الرئيس، ولم يعد يتلقى تعليماته من وزارة الخارجية وإنما من الرئاسة الروسية مباشرة، كما أنه لم يعد بحاجة للخارجية الروسية قبل التواصل مع نظام الأسد.

وأكد أنه الآن بات يستطيع التواصل مع الرئاسة الروسية ومع القصر الجمهوري في دمشق بشكل مباشر دون الحاجة لإخطار وزارة خارجية النظام أو روسيا أو الرجوع إليهما، موضحاً أنه بذلك ارتفعت صفته وأصبح بإمكانه المساعدة في حل الكثير من القضايا واتخاذ القرارات.

الأوساط الثورية تعلّق على القرار

اعتبر عضو هيئة التفاوض السورية الدكتور “يحيى العريضي” أن “بوتين” استشعر بحدوث “أمر جلل مفاجئ في سوريا”؛ لذلك قرر الاستئثار بالمكان منفرداً في حال حدوث فراغ.

وأضاف في تغريدة على موقع “تويتر”: “المستهدَف الأول من خطوته الأخيرة في سوريا الأمم المتحدة واحتمال تدخل ببلد فاشل مشلول، على السوريين التحرك أممياً بوضع البلد تحت رعاية أممية لا بوتينية احتلالية”.

من جانبه رأى مسؤول المكتب السياسي في لواء المعتصم التابع للجيش الوطني السوري “مصطفى سيجري” ‏أن القرار خطوة باتجاه مزيد من الهيمنة وإحكام القبضة الروسية على مستقبل المناطق الخاضعة لسيطرتها، مضيفاً أنها “ربما تكون عاملاً مساعداً لحلحلة العقد المعطلة للتفاهمات القائمة بين موسكو وأنقرة والتفاهمات المحتملة مع واشنطن”.

يُذكر أن “يفيموف” كان قد تولى منصب “سفير فوق العادة” لروسيا لدى النظام السوري منذ الثالث والعشرين من كانون الثاني/ يناير من العام الماضي، بعد أن كان يشغل رئيس البعثة الدبلوماسية الروسية في الإمارات منذ عام 2013.

المصدر: نداء سوريا

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق