أخبار سوريا

تبادُل حِمَم النار بين أنقرة وموسكو بسوريا.. جولة قتال أم تصعيد عابر؟

شهد الأسبوع الماضي عدة أحداث ذات أهمية بالغة، خاصة في الملف السوري، تعكس حجم الخلاف “التركي – الروسي”، سواءً على الصعيد المحلي (سوريا)، أو دولياً.

وبتصعيد كبير، غير معروف الدوافع والجهة المنفذة له بشكل قطعي حتى الآن، تعرضت آليات روسية كانت تشارك في الدورية الـ21 مع تركيا، على الطريق الدولي”M4″ في إدلب، لهجوم بواسطة سيارة مفخخة، ما أدى لإصابة ثلاثة جنود روس، وتضرُّر عدد من العربات المدرعة.

واتهمت روسيا الفصائل في إدلب بالوقوف وراء الهجوم، وأعلنت عن توقف الدوريات بشكل مبدئي، والتي كان من المفترض أن تحقق هدفها المعلن، وهو الوصول إلى بلدة “عين الحور” بريف “جسر الشغور” غرب إدلب.

وتبنت العمليةَ مجموعةٌ تطلق على نفسها كتائب “خطاب الشيشاني”، ومن غير المعروف حتى الآن طبيعة الجهة التي تقف وراء تلك المجموعة، ولكن مراقبين حصروا تبعيتها بين جهتين، الأولى التنظيمات المتشددة في إدلب، والثانية روسيا ونظام الأسد، اللذين يحاولان التملص من اتفاق وقف إطلاق النار بحُجَج متعددة، وفي محاولة منهما لإحراج تركيا، عَبْر اتهامها بالفشل في تأمين سير الدوريات على الطريق الذي يُعتبَر تحت حراسة ومراقبة الجيش التركي.

ولم تمرّ سوى ساعات حتى قام الطيران الحربي الروسي باستهداف مدينة “الباب” شرق حلب بغارتين جويتين في تصعيد غير مسبوق، كون المدينة تخضع منذ عام 2017 لسيطرة الجيشين الوطني السوري والتركي بشكل كامل.

كما نفذت الطائرات الحربية الروسية بشكل متزامن غارات جوية على بلدات وقرى جبل الزاوية جنوب إدلب، في حين تعرضت مدينة “أريحا” لقصف مدفعي وصاروخي، فيما يبدو أنه جاء انتقاماً لوقوع جرحى روس في حادثة استهداف الدورية المشتركة.

وذكر المتحدث باسم الجيش الوطني السوري الرائد “يوسف حمود” لـ”نداء سوريا” أن قصف مدينة الباب بريف حلب الشرقي من قِبل الطيران الحربي الروسي يعتبر رسالة لتركيا، وهو مرتبط بأحداث داخل سوريا، وخارجها في إشارة منه إلى ليبيا.

وأكد مصدر عسكري في الجيش الوطني السوري لـ”نداء سوريا” ورود معلومات للجيش بعد يوم من تعرض مدينة الباب للقصف الجوي، تفيد بنيّة الميليشيات الروسية المتمثلة بنظام الأسد تنفيذ عمليات تسلُّل على الجبهات المحيطة بالمدينة.

وأشار إلى أن نظام الأسد أرسل تعزيزات من مطار “كويرس” العسكري، نحو جبهات منطقة “تادف” القريبة من مدينة الباب، تزامن ذلك مع استمرار تحليق الطيران الحربي وطيران الاستطلاع الروسي في أجواء المنطقة.

ورفعت فصائل الجيش الوطني السوري -حسب المصدر- الجاهزية العسكرية في مناطق شمال وشرق حلب، كما عززت نقاط التماسّ بينها بين نظام الأسد وميليشيات الحماية بوسائط نارية جديدة، استعداداً لصدّ هجمات محتملة قد تتعرض لها المنطقة.

وعقب استهداف مدينة “الباب” من قِبل الطيران الروسي، وتعرض بلدات جبل الزاوية بإدلب لغارات مشابهة أيضاً، ردّ الجيش التركي بقصف مناطق انتشار نظام الأسد وميليشيات الحماية في شمال حلب، كما استهدف مواقع النظام في مدينة سراقب ومحيطها شرق إدلب بقذائف المدفعية الثقيلة.

ودفعت تركيا أيضاً خلال اليومين الماضيين بنحو أربعة أرتال عسكرية نحو نقاط تمركزها في محافظة إدلب، ضمت دبابات وعربات مدرعة وشاحنات محملة بكتل أسمنتية ومعدات لوجستية.

ومن اللافت في هذا السياق تعرُّض نقطة مشتركة لروسيا وميليشيات الحماية ونظام الأسد في محافظة “الحسكة” شمال شرقي سوريا لقصف بواسطة طائرة مسيّرة، أدى لوقوع إصابات بين الجنود الروس وعناصر نظام الأسد، ولم تعلق روسيا على القصف، كما هو حال تركيا أيضاً التي اتُّهمت بالوقوف وراء الهجوم من قِبل وسائل الإعلام المقربة من الميليشيات.

وحول أسباب التصعيد “التركي – الروسي” أشار الباحث في مركز “جسور” للدراسات “وائل علوان” إلى ضرورة النظر في جميع العلاقات الاقتصادية والجيوسياسية بين الدول، مضيفاً أنه لا يمكن البناء على مشهد واحد منفرد، بمعنى أن الفاعلين الأساسيين في سوريا، هم ذاتهم الفاعلون على مستوى المنطقة.

وأفاد بأن اصطفافات فُرضت في المنطقة، بعد الربيع العربي، والمصالح الأمريكية والغريبة غالباً ما تكون غير واضحة، ما يترك المجال واسعاً لمفاوضات “تركية – روسية”، سواء أكان حول الملف السوري أم الليبي أم حتى العراقي.

وأشار إلى وجود عدة قضايا مرتبطة ببعضها البعض في سوريا ذاتها، تتأثر وتؤثر في بعضها أيضاً، وربما يمكن تفسير القصف الروسي على مدينة “الباب” شرق حلب، على كامل حساسيته وارتفاع نسبة المخاطر فيه، بأنه مرتبط بانفجار السيارة المفخخة في الآليات الروسية خلال الدورية الأخيرة المشتركة مع تركيا على طريق الـ”M4″ في إدلب.

وقال “علوان” خلال حديثه لـ”نداء سوريا” إن الرد الروسي جاء في مدينة الباب، وليس بمحافظة إدلب ذاتها، لأن الأخيرة منطقة نفوذ و”صراع” تتعرض للقصف بشكل دوري، حتى لو كان أخف نسبياً بعد اتفاق موسكو، وبالتالي فإن الرد في إدلب لن يوصل الرسالة الروسية بحجمها وبجديتها وقوتها لتركيا.

من جانبه يرى الباحث المختص بالشأن الروسي “سامر إلياس” أن روسيا وجدت أن أفضل طريقة للرد على جرح عناصر لها بتفجير طريق الـ”M4″ هو قصف مناطق بعيدة عن إدلب، وأشار إلى أن قصف الروس لمدينة “الباب” يعتبر رسالة بأنها ستردّ بقوة على أي محاولة لتعطيل فتح الطريق الدولي “اللاذقية – الحسكة ” (M4)، نظراً لأهميته بالنسبة لروسيا في التخفيف من تبعات قانون “قيصر” على الاقتصاد السوري.

ويعتقد “إلياس” في تصريح لـ”نداء سوريا” أن الاستهداف يأتي في إطار الرسائل التي يوجهها الجانبان التركي والروسي لبعضهما البعض، خاصة في ظل تصادُم المصالح بين الطرفين في أكثر من منطقة.

واعتبر الباحث المختص بالشأن الروسي أن التصعيد الأخير بين الدولتين شمال سوريا، مرتبط بالملف الليبي، وملف شرق الفرات، حيث تحاول تركيا التوسع بشكل أكبر هناك، ومنع أي تقارب بين نظام الأسد وميليشيات الحماية، وهو ما تسعى له روسيا بشكل أساسي ضِمن خطتها للتخفيف من تبعات قانون “قيصر” على الاقتصاد السوري.

وربما يكون التصعيد الروسي أيضاً حسب “إلياس” رسالة للجانب التركي متمثلة بضرورة الإسراع في إنهاء ملف “هيئة تحرير الشام” والتنظيمات المصنَّفة على قائمة “الإرهاب” في إدلب، كون ذلك كان بنداً أساسياً في اتفاق “سوتشي” 2018، كما تم تأكيده في اتفاق آذار/ مارس الماضي بين الطرفين في موسكو.

الخلاصة: هل من جولة قتال مُرتقَبة؟

أفاد “إلياس” بأن منطقة إدلب تشهد جوّاً عامّاً من التوتر بين تركيا ونظام الأسد، ولكن رغم ذلك لا يعتقد الباحث بالشأن الروسي أن يتطور التصعيد إلى معركة أشمل، نظراً لأن الجانبين (روسيا وتركيا) يسعيان لتنسيق مواقفهما بشكل أكبر كما أنهما يقعان تحت ضغوط لها علاقة بعدم إمكانية نشوب حرب واسعة بينهما، ويتفق بدوره الباحث في مركز “جسور” للدراسات “وائل علوان” مع رؤية “إلياس”، حيث أوضح أن التصعيد هو ضغوطات تفاوضية، من غير المتوقع أن تخرج عن هذا الإطار.

المصدر: نداء سوريا

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق