أخبار سوريا

الأسد قد يُقدِّم تنازُلات مقابل رفع العقوبات الأمريكية عنه.. وهكذا سيحطمه قانون “قيصر”

في مقال سابق على هذه المجلة بعنوان “القسوة غير المبررة لعقوبات ترامب على سوريا الجديدة” (17 آب/ أغسطس 2020) يقول “جوشوا لانديس وستيفن سيمون” بأن العقوبات الأمريكية الجديدة المفروضة على مؤيدي النظام السوري تضر بالسوريين العاديين وتفشل في تعزيز المصالح الأمريكية الأساسية.

لكن المؤلفيْنِ يتجاهلان حقيقة أن المصدر الرئيسي لمعاناة سوريا هو بشار الأسد الذي مرت فظائعه دون رادع منذ ما يقرب من عقد من الزمان.

تساعد العقوبات الأمريكية الجديدة على الحد من قدرة نظام الأسد على إيذاء شعبه وهو أمر جيد لكل من سوريا والولايات المتحدة.

يشير المؤلفان إلى أن العقوبات الجديدة التي هي جزء من قانون “قيصر” لحماية المدنيين في سوريا (2019) هي مبادرة من إدارة ترامب لكن عقوبات “قيصر” هي نتاج تشريع في الكونغرس تم تمريره بدعم واسع من الحزبين وبمشاركة من مجموعات المجتمع المدني السوري.

إن تأطير العقوبات كسياسة لإدارة الرئيس ترامب يتجاهل الجهود المتضافرة للدعاة المتنوعين ويخفي حقيقة أن العقوبات نجت من التدقيق من قِبل الحزبين لسنوات قبل إضافتها إلى قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2019.

جرائم الحرب

أخذ قانون “قيصر” اسمه من المنشق العسكري الذي أطلق عليه الاسم الحركي هذا، والذي سرب أكثر من 50000 صورة لسجناء يتعرضون للتعذيب والقتل بشكل منهجي على يد النظام السوري.

تم اعتقال عشرات الآلاف من الأشخاص وتعذيبهم في سجون النظام منذ عام 2011 ولا تزال الاعتقالات التعسفية في الأراضي التي استعادها النظام مستمرة حتى يومنا هذا.

لم يسمح نظام الأسد للصليب الأحمر مطلقًا بالوصول إلى المعتقلين، من أجل إفساح المجال لسجناء جدد نفذ نظام الأسد عمليات إعدام جماعية: ووجد محققو جرائم الحرب التابعون للجنة العدالة والمساءلة الدولية مذكرات حكومية توضح بالتفصيل الوفيات أثناء الاحتجاز، وذكرت صحيفة نيويورك تايمز وآخرون اكتشاف مقابر جماعية دفن فيها سجناء سياسيون.

من خلال فرض عقوبات على نظام الأسد تحرم الولايات المتحدة مجرمي الحرب من الوصول إلى الأموال وتعزز المصالح الأمريكية وتوقف تدفُّق اللاجئين وتمنع عودة ظهور “تنظيم الدولة”.

يدرك الاتحاد الأوروبي أيضًا أنه يجب عدم مكافأة جرائم الحرب وقد انضم إلى الولايات المتحدة في فرض العقوبات الجديدة ضد نظام الأسد.

لاحظ “لانديس” و”سيمون” أن سياسة العقوبات “تمنع إعادة الإعمار” وتؤدي إلى “إفقار” السوريين.

ومع ذلك، لم يذكروا أن الأسد هو المسؤول الأول عن الدمار والمجاعة التي قد تؤدي إلى تفاقُم العقوبات.

قد تلحق العقوبات ضرراً بالاقتصاد السوري لكن النظام وروسيا وإيران أنفقت المليارات لتدمير البنية التحتية لسوريا، ويريدون الآن من بقية العالم إعادة تأهيلها.

على الرغم من أن الأسد حاول جذب الاستثمار الأجنبي إلا أن إعادة الإعمار من أجل جميع السوريين تحتل مرتبة منخفضة ضِمن أولوياته.

لا تزال الأحياء السكنية مثل “بابا عمرو” في حمص في حالة خراب ويعالج مرضى “COVID-19” في ظروف سيئة وكجزء من إستراتيجيته لاستعادة الأراضي قام النظام بمساعدة إيران وحزب الله بمحاصرة وتجويع ما يصل إلى 18 منطقة سورية وأكثر من نصف مليون شخص لسنوات.

لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي شك كبير في أن الديكتاتور الذي قصف بالبراميل المتفجرة المراكز المدنية يريد بالفعل إعادة بناء منازل المواطنين السوريين الذين يعتبرهم “جراثيم”.

حماية المدنيين

يستشهد “لانديس” و”سيمون” بالتجويع الجماعي للعراقيين تحت ضغط العقوبات خلال التسعينيات لتسليط الضوء على وحشية العقوبات، لكن يمكن للولايات المتحدة أن تعمل مع الاتحاد الأوروبي لجعل تطبيق العقوبات أكثر إنسانية.

بعد أن فرضت الحكومة الأمريكية الجولة الأخيرة من العقوبات على إيران على سبيل المثال سمحت لحكومتَيْ سويسرا وكوريا الجنوبية بإقامة قنوات تجارية إنسانية خاصة مع طهران والتي تسمح باستيراد المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية.

يجب على الولايات المتحدة الموافقة على إيجاد قنوات إنسانية مماثلة مع سوريا، كما يجب عليها إنشاء آلية إنسانية مشتركة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لضمان استمرار المؤسسات المالية والمنظمات الإنسانية في خدمة المدنيين السوريين.

تختلف آثار العقوبات على المدنيين من سياق إلى آخر وينبغي قياس هذه الآثار من قِبل خبراء اقتصاديين وإنسانيين في سياق سوريا، وليس على العراق أو ليبيا.

على عكس عقوبات العراق الشاملة، فإن عقوبات “قيصر” مستهدفة.

إنهم لا يهدفون إلى وقف جميع الأعمال التجارية مع النظام، لكنهم يستهدفون الأفراد والشركات التي تمول كبار أعضاء نظام الأسد والقوات شبه العسكرية الأجنبية التي تعمل نيابة عن النظام السوري.

ليس من الضرورة أن تكون مثل هذه العقوبات الانتقائية مكلفة على المجتمع بأسره

تفتقر سياسة “ترامب” تجاه سوريا إلى التماسك فعلاً كما لاحظ “لانديس” و”سيمون” بحق، لكن عند ارتباطها بجهود عسكرية ودبلوماسية أكثر شمولاً، يمكن للعقوبات أن تحمي المدنيين في نهاية المطاف.

لقد ساعدوا في الضغط على الزعيم الليبي “معمر القذافي” للتخلي عن الإرهاب وبرامج أسلحة الدمار الشامل في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وعلى إيران للتفاوض في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حتى “لانديس” و”سيمون” اعترفا بأن “الأسد قد يوافق على تنازُلات كبيرة” من أجل رفع العقوبات.

لدى الولايات المتحدة خيارات أكثر وأفضل مما يقترحه “لانديس” و”سيمون” إذ يدعي المؤلفان أن تعامل واشنطن مع الحكومة السعودية الفاسدة يعني أنه يمكن التعامل مع الأسد كذلك.

لا يتوافق هذا الأسلوب في التفكير مع آراء الصين وروسيا فحسب بل يتجاهل جهود الإدارات الأمريكية السابقة لتصحيح السلوك السعودي ومن المرجح أن تسعى إدارة “بايدن” المرتقبة أيضاً لمواجهة التجاوزات السعودية.

يتحمل النظام السوري مسؤولية أكبر بكثير عن الوضع الإنساني المتردي في البلاد من تلك التي تتحملها جماعات المعارضة المسلحة التي يشير إليها “لانديس” و”سيمون”.

يقارن “لانديس” و”سيمون” السياسات الأمريكية التي تهدف إلى زيادة المخاطر للأسد وداعميه بتلك التي كانت في حقبة فيتنام، والمقارنة الأفضل هي مع لبنان، الذي لم تُحاسب طبقته الحاكمة الفاسدة القاتلة على جرائمها خلال الحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً في البلاد.

يدعي المؤلفان أن مصالح السوريين هي أولوية ومع ذلك فهما يدعوان إلى المشاركة الكاملة مع مجرم حرب حطم حياة الملايين من مواطنيه، كما أنه – بدعم من إيران وروسيا والمستفيدين المحتملين من إعادة إعمار سوريا -سيستمر في خنق الجهود من أجل حكم شفاف ومسؤول.

من بين المصالح الأمريكية الأخرى في المنطقة يبدأ حل “إنهاء الحروب التي لا نهاية لها” بالاعتراف بالأسباب الجذرية لنزاع معين والالتزام بحلها.

بالنسبة لمن سيحتل البيت الأبيض بعد كانون الثاني (يناير) 2021 ، فإن اختبار الالتزام يبدأ في سوريا.

كما أن الفكرة القائلة بأن تشديد العقوبات سوف يردع الطغاة المحتملين الآخرين لا تدعمها الحقائق، من ألمانيا النازية إلى كوريا الشمالية لم تسقط العقوبات الأنظمة الاستبدادية ولم تضمن سلامة المدنيين تحت حكمها، علاوة على ذلك فإننا نعتقد أن التضحية بملايين السوريين لمنع حدوث انتهاكات افتراضية في المستقبل في مكان آخر أمر خاطئ تماماً.

يتطلع السوريون إلى الجهات الخارجية وهم يأملون الآن أن ينجح التدخل الأمريكي عبر العقوبات بعد فشل جهود الولايات المتحدة السابقة لتسليح وتدريب المقاتلين المحليين.

لقد اعتادت الولايات المتحدة على فرض العقوبات كطريقة للتعامل مع التحديات التي لا ترقى إلى مستوى الرد المسلح ولكنها تعد أكثر من أن يتم تجاهلها.

بقلم:فريق الترجمة لنداءسوريا

المصدر:فورين أفيوز

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق